• ×

05:30 صباحًا , الثلاثاء 5 ذو القعدة 1442 / 15 يونيو 2021

حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


التاريخ منذ 2 أسبوع 06:41 مساءً
أم مناحي من وفيَّات العرب
تعددت صور الوفاء عند العرب رجالاً ونساءً في قديم الزمان وحديثه فمن الوفيَّات في قديم الزمان:

1- خُماعة بنت عوف الشيباني، ومن وفائها أنها أجارت مروان بن جذيمة من بني عبس. فضُرب المثل بها فقيل: ( أوفى من خُماعة )
2- فُكيهة من بني قيس بن ثعلبه، ومن وفائها أنها أجارت السليك بن السلكة الشاعر والفارس المعروف وهو القائل فيها:
لعمر أبيك والأنباء تنمى ... لنعم الجار أخت بني عوارا فضُرب المثل بها فقيل: ( أوفى من فُكيهة ).
3- وأم جميل من دوس من زهران، وهم رهط أبي هريرة رضي الله عنه من أهل السراة. ومن وفائها أنها أجارت
هشام المخزومي فضُرب المثل بها فقيل: ( أوفى من أم جميل ).

1- وكان الذي ذكر من وفاء خُماعة أن مروان بن زنباع بن جذيمة العبسي أغار على إبل لعمرو بن هند فطلب حتى انتهى إلى ماء لبنى شيبان فنظر إلى أعظمها قبة فولجها، وهي قبة خُماعة فاستجارها، فنادت في أهل بيتها فجاءوا وجاء الملك عمرو بن هند فقال: ادفعوا إلي، فقالوا: إن خماعة قد أجارته، فقال: قد أجارته؟ قال: فإني قد آليت أن لا أقلع عنه حتى يضع يده في يدي فقال أبوها عوف بن محلم: يضع يده في يدي وأضع يدي في يدك تبر يمينك؟ قال: نعم، ففعل، فزعمت بكر بن وائل أن الملك قال يومئذ: لا حر بوادى عوف، وتأويل ذلك: أن العزيز به والذليل سواء.
2- وكان الذي ذكر من وفاء فُكيهة أن السليك بن السلكة غزا بكر بن وائل فلم يجد غفلة فكان ينتظر بها فرأوا أثر قدم لم يعرفوها فقالوا: والله إن هذا لأثر رجل يرد الماء ما نعرفه فاقعدوا له وأمهلوه حتى يروى فإذا روى فشدوا ففعلوا فورد حتى قام قائم الظهيرة، حتى امتلأ وجعل يصب الماء على رأسه ووجهه ففاعوا به فأثقله بطنه فعدى حتى ولج قبة فُكيهة فاستجارها فأدخلته تحت درعها وجاءوا يتلونه فذبت عنه حتى انتزعوا خمارها ونادت إخوتها وولدها فجاءوا عشرة فمنعوه قال: وسمعت سنبلاً يقول: إن سليكاً كان يقول: كأنى أجد سبد شعرها على ظهري حين أدخلتني تحت درعها، وقال سليك:
لَعَمْرُ أبِيكَ وَالأَنبَاء تَنْمِى ... لَنِعْمَ الجَارُ أخْتُ بَنِي عوارا
عَنَيْتُ بِهَا فُكَيْهَةَ حينَ قَامَتْ ... كَنَصْلِ السَّيْفِ فَانْتَزَعُوا الخِمَارَا
مِنَ الخَفِرَاتِ لَمْ تَفْضَحْ أخَاهَا ... وَلَمْ تَرْفَعْ لِوَالِدِهَا شَنَارَا
3- وكان الذي شهر ذكر وفاء أم جميل أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أزيهر الزهراني من أزد شنوءة، وكان صهر أبي سفيان بن حرب فلما بلغ ذلك قومه بالسراة وثبوا على ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري ليقتلوه فسعى حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها فضربه رجل منهم فوقع ذباب السيف على الباب وقامت في وجوههم فذبتهم عنه ونادت قومها فمنعوه لها، ولما قام عمر بن الخطاب ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة فلما انتسبت عرف القصة فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وقد عرفنا منتك عليه فأعطاها على أنها ابنة سبيل.
ومن وفيَّات عرب اليوم وفي جنوب المملكة العربية السعودية ( أم مناحي ) نورة بنت محمد آل عسيلة الدحروجي الواهبي الشهراني التي طار صيتها حتى أقصى شمال جزيرة العرب، ومن وفائها أنها أجارت جارها وقاتل ابنها حين لجأ إليها في بيتها بصحبة والدته وزوجته وأبنائه فقال لها: يا أم مناحي أنا قتلت ابنك وهذا سلاحي بين يديك إما أن تقتليني وإما أن تجيريني، فاستلهمت ربها بقولها إنا لله وإنا إليه راجعون ، أجرتك بحول الله وقوته، موقنة بقول الشاعر العربي المجرب: وما الدّهرُ إلا هكذا فاصطبر له ... رَزيّة مال أو فراقُ حبيب.
ثم أمرت ومنعت أبنائها بأيمان مغلظة من التعرض للقاتل إلى حين تسليمه للجهات المعنية في الدولة، وكعادة العرب قديمًا وحديثًا في أن أهل القاتل يرحلون عن المنطقة بما يعرف بــ( الجلاء) حقنًا للدماء، وبخاصة في أيام العزاء، ولقطع أوار التنازع والعداء، إلا أن مناحي وإخوانه ذهبوا إلى جيرانهم ومنعوهم من الارتحال تقديراً للجيرة التي بينهم. حينها صدر الحكم الشرعي بالقصاص من القاتل [ عفا الله عنه ]، ولسان حال القاتل يقول: عسى الـهمُّ الذي أمسيتَ فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب ... فترجع سالماً وتقر عينا وتنزل بين أهلك يا غريب. إلا أن إراده الله ثم عفو أسرة آل عسيلة حال دون ذلك، وسبحان الله القائل ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم... الآية) فحتمًا سيُخلّد التاريخ اسمها، وسيضرب المثل بفعلها،( أوفى من أم مناحي )، وسيسطر الشعراء موقفها، ومن ذلك قول الشاعر: رزُو الرايات وأرفعوها عالي .. للذي ما أصخا بجاره يوم شاف الميلة .. في حقوق الجار وحقوق الرفيق الغالي .. آل راجح فعلهم ذا نادر في جيله .. والله إن بعض المشالح في الزمان التالي .. إنها ما تسوى عباية نورة آل عسيلة.
كذلك سيخلد التاريخ بالأبناء البررة مناحي وإخوانه فقد ضربوا أروع القصص في البِر بوالدتهم.

تعليقات 0 إهداءات 0  482
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:30 صباحًا الثلاثاء 5 ذو القعدة 1442 / 15 يونيو 2021.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET