• ×

06:17 صباحًا , السبت 15 شعبان 1440 / 20 أبريل 2019

حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


التاريخ 1440-06-02 12:09 مساءً
أحاديث في الأدب الشعبي.. مـن شعــراء قبيلــة الشـرارات "الشعـراء القدامــى"
image

ترى لماذا ندرس شعر الشعراء القدامى في زمن تبدلت فيه معايير القيم والشعر، وحل محل كل ذلك بدائل تسود المجتمع اليوم من قيم اجتماعية وجمالية ومناهج حياة؟
نعم، ندرس ذلك لكثير من الأغراض والأهداف فمراحل الحياة في تعاقبها امتداد يشهد البلى والتجديد اللذين نلمسهما في آثار الأجيال البالية – وكل جديد سيبلى – ومن ذلك ملامح وقيم وأعراف وتقاليد ومعايير الجمال وفق كل زمان ومكان مما تضمنته الآثار الأدبية.


ولذا يجد كتاب "من شعراء قبيلة الشـرارات (الشعراء القدامى) " لمؤلفه القدير الكاتب محمد بن حلوان الشـراري قبولاً رفيعًا من الباحثين والمثقفين لمحتواه الإجتماعي ومضامينه الأخرى التي ينشدها القاريء ويستمتع بتأمـلها ، فهي تضع أمامه صورًا من الواقع الاجتماعي الذي شهده مجتمع هؤلاء الشعراء الذين لو لم يتناولوا شيئاً يستحق التذكر والتدبر لما احتفظت الذاكرة الثقافية بشعرهم. وقد أبدع المؤلف في تحري الدقة وحسن الاختيار والطرح وذكر المراجع والمصادر، ويؤخذ عليه عدم الإطالة في التفصيل والشـرح للإجابة عن التساؤلات المحتملة لدى القراء رغم إلمامه وإحاطته بهذه الثقافة الصحراوية كونه من الباحثين الأكفاء في هذا المجال، إلا أنه فيما يبدو راعى الرغبة في الإيجاز نزولاً عند هاجس قراء اليوم، أو إنه ركز على ذائقة قارئه من أبناء البيئة الصحراوية. كما أنه اتبع منهج التقليدية الشعبية في كتابة النصوص.
أعود إلى تناول بعض المضامين التي أشارت إليها نصوص الكتاب، وقد وجدت فيها متعة كبيرة، ودلائل بينة، على أخلاق أصحابها وصراع أبناء الصحراء من أجل البقاء، وتخليد القيم السائدة التي هي محل فخر واعتزاز أبطالها.

ومن ذلك الشجاعة التي ليست قصـراً على الإقدام في الحرب أو مواجهة الأخطار أو الثأر فحسب وإنما تشمل الإيثار على النفس ومواجهتها ودفع تجاوزاتها وكبح نزواتها والصبر على امتحاناتها.

يقول المؤلف: أن الشاعرة لويزة العطية " كانت في زمانهامن أجمل النساء وعشقت شامان لفروسيته وشجاعته، وعشقها وتقدم لخطبتها.. ثم تزوجا.. وتعاهدا أنه إن مات أحدهما قبل الآخر ألا يتزوج بعد صاحبه".. وقدر الله أن يقتل الفارس شامان في إحدى المعارك، وحزنت لويزة حزناً قاتلاً لدرجة أن أمها قالت لها : " لو تمضين على حالتك هذه.. اليوم كما هي حالتك أمس وقبل أمس سوف تموتين لا محالة" فتنهدت وتنفست الصعداء.. وقالت:

كان امس مثل اليوم واليوم مثل امس = وان كان باكر مثلهن زاد غلي
صفقت بالثنتين وادميت بالخمس = واقول يا طير النياوين خلي
أخذت مضنوني على ذرة الشمس = والدم من مفتق يمينه يشلِّ
خلي عقد لي عقدتين على رمس = وانا عطيته عقدةً ما تحلِّ
عهدٍ على الثنتين لا قول لا لمس = ما زول تلفح شرقة الشمس ظلي

وقد التزمت بهذا العهد ولم تتزوج حتى قتلت خطأ، هذه العادة درج عليها بعض المحبين ألا ينزلوا أحداً مكان من يحبون بعد فقده. ولا يستحسن ذلك لما في الحرمان من مخالفة لقوانين الحياة ومستحباتها وآداب الإسلام.

وأبناء الجزيرة العربية يحترمون خصومهم من الفرسان الشجعان، ويمتدحون خيلهم وركابهم ومن ذلك قول ثاني البليلات في فرسه "طلقة" وهي صغيرة:

لا واهني من شاف "طلقة" كبيرة = وقت الرباع مطابقة بالمسامير
وحتى العناق مسوّيٍ له ضفيرة = وحذوة حديد ما عليها تناخير
إن شافت السبّق تزاود زفيره = تقول قدم عيونها ركبن الكير
وذيله على الأمتان يضفي غزيره = ومن حمو ركضه نز هبر الجعاعير

وعلاقة أبناء الصحراء بها وقت الربيع علاقة متينة جاذبة فهذا الشاعر الشيخ خلف بن دعيجاء وقد تزوج من حاضرة سكاكا فاشترط والد الزوجة عدم أخذها للبادية التي لم تألفها. وعندما هطلت الأمطار وهب إليها عشاقها أصبح الشيخ خلف بين أمرين أحدهما مر فقلبه معلق بالبادية وبزوجه من جانب آخر فليس أمامه ألا أن يقول:

يا علي لاح البرق ضوه يلالي = أنا اكرهه والناس له مشرهـبين
يا علي من يجمع طوارف حلالي = يلم غرسات النخل للبعارين
وجدي على مي الغدير الزلالِ = عقب المحل بنّوا عليه المحيلين
ولاني صبور عن قراح المحالِ = بدلي غرب يجذبنه معيدين

وربما كان المخاطب علي هو والد زوجته فتنازل عن الشرط وأذن له وزوجه بالرحيل إلى البادية. وفي الأبيات أدبيات جميلة، في خطاب الالتماس، والتعبير عن الشوق إلى البادية، وأيضاً عدم الإقلال بحياة الحضر وقراح ماء السواني، ولعله يبطن ولاءه للزوجة الجديدة واصفاً إياها وحياته قربها بالماء القراح الزلال.
ومن القصائد الجميلة للشاعر الفارسى قايم السمير قصدية يتحسر فيها على أيام الشباب بعد أن تقدم به العمر فيقول:

بان الخلل بيّه وخلّيت الإشراف = واطيح قبل ارقُبْ برأسى الطويلة
وغديت بين الضمر والبدن هفهاف = والروح زوعات الهبايب تشيله

image

ثم يمضي بين التحسر والتوصيف بأحزان الآخرين من الإنسان والحيوان، مما يدل على متانة العلاقة بين الصحراوي وبيئته وفهم مشاعر كائناتها الحية. والشاعر هنا يجسد حياة القوة في الشباب والرجولة والضعف الطارىء في مرحلة الكهولة فما أقسى ذلك عليه.

وفي المقارنة بين مكانة الأم ومكانة الزوجة تتغلب قيم رد الجميل للأم على مكانة الزوجة التي لا تشارك الزوج سراءه وضراءه، فتستنكف من خدمة أم الزوج عند كبرها فيورد المؤلف قصة الشاعر الفارس محمد الحويان الذي امتحنت أمه بالشلل فكان يرعاها براً بها حيث كان ابنها الوحيد ويوصي جيرانه عند خروجه لرعي إبله.

وبعد مرور سنين على هذه الحال تزوج من امرأة من قومه، وكان يكلفها برعاية أمه حين غيابه، فتظاهرت الزوجة بضيقها من رعايتها لوالدته فذهبت مغاضبة إلى بيت أهلها، فلم يعط الأمر اهتماما وعاد يمارس خدمة أمه كما كان من قبل . وفي أحد الأيام أرسلت الزوجة إليه شقيقها ليقول له أن يختار بينها وبين أمه حتى تعود إليه فقال:

علمت ملهوف الحشا مرسل لي = رسالة خلتني اسخى بفرقاه
إن كان ما صيد الحبيّب تغلِّ = رح انت يا المرسال طس انت واياه
هذي عجوزي ما لها غير ظلي = وإلا الغضـي وان دوّر الظل يلقاه
أمي ليا شافت خيالي تهلِّى = والا الغضـي وان شاف زولي تحلاّه
سنينٍ ثلاث وديدها سقمةٍ لي = اركب على المتنين واقول : يا ياه
لها عليّه دين واليوم حلِّ = إن قصّـر القاطع عن الدين ما اوافاه

ولما بلغت الزوجة هذه الأبيات عادت من وقتها إلى بيت زوجها وقالت له : "والله لو جاني رد غير ذلك ما رجعت لك. لكن الله يرزقني منك باللي يعتني بي مثل عنايتك بأمك". واستأنفت حياتها معه ومع أمه.

إن الشاعر المؤلف بما وهب من حس شعري ودقة توثيقية لم يكتف برواية وما أكثر الرواة - وما آفة الأخبار إلا رواتها – وإنما قارن بين الروايات وأثبت الأقرب إلى الصحة فاختارها.

وأبناء الصحراء من بنين وبنات يهيؤون أنفسهم ويعدونها لأحداث الزمان والمكان اللذين لا يتوقع بما يجلبان لتلك الصحراء من أخطار في زمن الصـراع من أجل البقاء، فالفروسية ليست حصراً على الرجال، فالمرأة لها دور في الصراع فهي تشارك أبناء القبيلة في كل ما يوجب الصراع من مشاركة. ومن ذلك إشارة المؤلف إلى مغيضة الدليمان التي "اشتهرت بوصف الإبل، وتسوس الجيش وخبرة بالركاب الأصيلة للمغزي الطويل، ولها خبرة كبيرة في اكتشاف مواهب الشباب الصغار في الفروسية والنزال، ولها شهرة بمتابعة الغزوات مع عشيرتها والمشاركة فيها من عناية بالجرحى وسقيا المحاربين وإلهاب حماستهم بالشعر. ولها قصائد في وصف المعارك وشجعانها وغيرهم وذلك ما ينتظره الشجاع من امتداح والجبان من هجاء.

وتنقل لنا هذه الشاعرة إحدى عادات أبناء الصحراء حين يخضبون رقاب ركاب ضيوفهم بدم الذبائح التي أريقت لتكريمهم . فتقول وهي تمتدح كرم شقيقها من قصيدة:

تلفي على اللي ما علومه طماسي = أخو مغيضة تخضب الفيح يمناه
أخوي لا هامط ولا هو بلاسي = ولا هو من اللي باهتاتٍ حكاياه
إن جن هجفا وأن طواهن تعاسي = يا زين فوق رقابهن صنع يمناه

وحيث أن المؤلف لم يبين الهدف من التخضيب فقد يظن بعضهم ظنًا مختلفًا عن الهدف الصحيح لذلك، ولكني ِأعتقد أن ذلك لغرض أمني لصالح الضيوف حيث أن مرورهم بأراضي القبيلة الذين هم ليسوا منها قد يعرضهم للإعتداء من قبل آخرين ولكن وجود التخضيب وحداثته يدلان على أنهم كرموا من قبل القبيلة فلا يعتدى عليهم باعتبارهم ضيوفاً عند الجميع، وعند انتهاء جدة التخضيب تنتهي الحماية، وأيضاً فإن التخضيب دلالة على تلقي التكريم من قبل من مربهم، ويحتفظ بحقهم بامتناعه عن تناول وجبة قبل حلول موعد الوجبة التالية وِإلا تعرض للمساءلة لأن في ذلك إنكار تمتعه بحق الضياقة، فالضيافة ليست ملء بطون فحسب، وإنما هي من مكارم الأخلاق، فلا يبخس حق مقدمها وإلا ترتب على البخس بتناول وجبة طعام عند آخرين قبل حلول الوجبة التي تليها تحاشيًا لذم من قد مروا بهم، ويلي ذلك الحماية التي أشرنا إليها.

شكراً للمؤلف تناوله لشعراء قبيلة الفرسان والشجعان والمبدعين.

تعليقات 0 إهداءات 0
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:17 صباحًا السبت 15 شعبان 1440 / 20 أبريل 2019.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET