• ×

02:01 صباحًا , الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018

حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


التاريخ 1440-02-13 05:58 مساءً
الشيخ البلداني عبد الله بن محمد الشايع رحل من دنيانا ولم يرحل من قلوبنا
image

في يوم الجمعة الموافق 25 محرم 1440هـ صحوت على جرس رسالة وصلتني من الأستاذ سعد الماضي ففتحتها و ليتني لم أفعل؛ إذ تتضمن خبر وفاة الشيخ عبد الله بن محمد الشايع الأديب و البلداني المعروف ، فنهضت مفجوعا لوقع الخبر على نفسي؛ ليس جزعا من الموت فهو نهاية كل حي، ولكن لما لهذا الرجل من محبة في نفسي ، و لأجل تسويفي و تفريطي في زيارته إذ ظننت أن الحياة ستطول به حتى أسلم عليه و أحادثه من قرب ، و ما علمت أن المنية له بالمرصاد ، فوا أسفاه على رحيل مثله ، و لا أقول إلا ما يرضي ربنا ، فله ما أخذ و ما أعطى و كل أمر عنده بحسبان ، و صلتي بالشيخ ليست صلة تتلمذ أو مرافقة في رحلاته التي جاب فيها البلاد طولا و عرضا ، و إنما صلة محبة في الله ، واستفادة مما يطرحه من كتب و بحوث في مجال اهتمامه بالآثار، و تحقيق المواضع، و كما يقال : العلم رحم بين أهله ، ثم تطورت الصلة إلى زيارات متباعدة له ، فزرته في منزله و حدثني و حدثته، و وجدت فيه تواضع الكبار، وسمت العلماء ، و أهداني كتبه التي لا تمل عيني من نظر فيها، و لا أبغي لها بدلا ، وإن خالفته الرأي في بعض ما ذهب إليه في تحديد بعض المواضع القديمة مثل الدخول و حومل و غيرها ، و منذ ثلاث سنوات بدأت أراسله عبر الواتساب فكان يجيبني و يداخلني فأستفيد من فيض علمه، و من ردوده المفعمة بالود و التواضع، و سأعرج على بعض ما دار بيني و بينه بعد أن أبين منزلته بين البلدانيين الذين سبقوه أو عاصرهم.

كما يعلم الجميع أن الشيخ محمد بن بليهد أسس مدرسة بلدانية مهمة قوامها الرحلات الميدانية، و الوقوف على الأعلام قبل وصفها و سار على هذا النهج الشيخ حمد الجاسر، و عبد الله بن خميس و سعد الجنيدل، و محمد العبودي، و محمد العقيلي، و عاتق البلادي و غيرهم ثم أتى بعدهم جيل آخر منهم الشيخ عبد الله الشايع فأدخل مجال التصوير الاحترافي و التقنية في تحديد المواضع مما جعل وصفه للأمكنة أدق بلا شك مع نبش النصوص من بطون كتب التراث التي تحدد الأمكنة، و المواضع التاريخية و تطبيقها على الواقع ، فاجتمع لدى الشايع تقنيات تحدد المسافات، و الارتفاعات، و ترصد حدود المكان، فلا عجب أن يفوق من سبقوه في هذا المجال، و أن يقتفي أثره من أتوا بعده ، فأخرج كتبا هامة في هذا العلم خاصة ما يتعلق بطرق القوافل القديمة التي يبدو أنه أحب البحث فيها ، واستغرق عمره في تتبع جوادها، و مناراتها، و صواها و من كتبه تلك : الطريق التجاري من حجر اليمامة إلى البصرة ، و الطريق التجاري من حجر اليمامة إلى الكوفة ، و أعلام الطرق القديمة بين خيال الباحثين و الواقع، و طريق الأخرجة من فيد إلى المدينة المنورة، و أطلس الشواهد على مسارات طرق القوافل القديمة في شبه الجزيرة العربية، أما كتبه الأخرى فلا تخرج من حيز الاهتمام بالمواضع وهي :

نظرات في معاجم البلدان (ثلاثة أجزاء) ، و مع امرئ القيس بين الدخول و حومل ، وعكاظ الأثر المعروف سماعا المجهول مكانا ، و في أرض الشحر و الأحقاف ، و بين اليمامة و حجر اليمامة ، و سوق مجنة : بحث في تحقيق موضعه ، وتحقيق موضع سوق ذي المجاز، و تحقبق موضع غزوة حنين، ومواضع بعض الغزوات و السرايا النبوية : بحث تاريخي و تحقيق ميداني، وقد أعجبني قول أحدهم بأن منهج الشيخ عبد الله في كتبه كمن يلقي حجرا في ماء راكد ، فهو مثير في كل ما يتوصل له من آراء، و مع ذلك فكل الدلائل التي يستشهد بها تجعل المطلع يكبره:-

أولا : لتواضعه، و عدم انتصاره لرأيه.
وثانيا : لاحترامه لمن سبقه من العلماء و الباحثين،
وثالثا : لإلمامه التام بموضوعه الذي يتطرق له.
رابعا: لرجوعه عن رأيه إن رأى أن اجتهاده كان خلافا للصواب.

و هو رحمه الله بلداني صميمي ، نشأ في قرية الشعرا التي أنجبت عددا من البلدانيين الذين يشار إليهم بالبنان أمثال : سعد الجنيدل، و الدكتور ناصر الرشيد، و عبد العزيز اليحيان، و سعد الماضي، و محمد السيف، و عبد العزيز العجاجي و غيرهم ، ثم عاش فترة من شبابه في مدينة عفيف و هي معروفة بموقعها المتوسط بين أشهر الأعلام في عالية نجد ، و هذا مما عزز موهبته ، وجعله مطلعا على أكثر أعلام نجد ثم المواضع الأخرى الهامة في بلادنا ، و مما يحز في النفس أنه ذهب و ذهبت معه معلومات ثمينة و أحداث عاصرها في طفولته أو رواها ممن عاصروها تدخل في مجال التاريخ الاجتماعي فقد حدثني ذات مرة عن بعض ذكرياته في الشعرا و قال معلومات جديرة بالتدوين، و ربما لا توجد عند غيره ، و أجزم أن من أصدقائه من يحفظون عنه بعض تلك الذكريات المهمة ممن رافقوه في رحلاته.

أختم بما دار بيني و بينه من رسائل من أهمها سؤالي عن أهم المكتبات القديمة في مدينة الرياض بصفته من الرعيل الأول فقال : أثناء دراستي في المعهد العلمي بالرياض بين عامي 1376هـ و 1380هـ بدأ اهتمامي أكثر بقراءة الكتب قراءة متمعنة ، و كانت المكتبة العامة الواقعة بجوار منزل الشيخ محمد بن إبراهيم ، و مسجده في حي دخنة مقصدا لطلاب العلم ، و محبي القراءة نظرا لما تحتويه من نوادر الكتب و المخطوطات ، و كنت أسير يوميا من بيتي بحي الشميسي مشيا على الأقدام قبل أذان العصر ، لأدرك الصلاة في مسجد الشيخ، و لأكون مع أول الداخلين عندما تفتح المكتبة خشية أن يطلب أحد القراء الكتاب الذي أقرأ فيه ، خاصة أنه لا يمضي كثير وقت إلا و قد امتلأت قاعة المطالعة بالقراء ، و أما المكتبات التجارية فليست من الكثرة بمكان آنذاك منها : مكتبة اللواء في شارع الوزير ، و عدد من المكتبات في عمارة ابن دغيثر الواقعة في شارع البطحاء مثل : مكتبة الحرمين ، و مكتبة النصر ، و المكتبة الأهلية لصاحبها عبد المحسن البابطين ، وأذكر أنني اشتريت من مطبوعاتها كتاب : عنوان المجد في تاريخ نجد بمبلغ خمسة ريالات ، و يرغب محبي الكتب شراءها من حراج ابن قاسم الواقع شمالي المسجد الجامع لأن الكتب تباع فيه رخيصة لأن من يعرضها يريد التخلص منها ، و من ضمن الكتب التي اشتريتها من الباعة في هذا السوق المفتوح كتاب : شرح رياض الصالحين المسمى دليل الفالحين و يقع في ثمان مجلدات ، للعلامة محمد بن علان، و تحقيق محمد حامد الفقي و هو مطبوع عام 1357هـ / 1938م ، كما يوجد مكتبات صغيرة في الدكاكين الواقعة غرب ميدان الصفاة، و كان هناك متخصصين في حبك و تجليد الكتب القديمة و قد جلد لي أحدهم طبعة قديمة من كتاب رياض الصالحين.

وتطرقت للحديث معه عن كتاب سفر نامة الذي ترجمه الدكتور يحيى الخشاب فقال : لقد قرأت هذه الرحلة أكثر من مرة ، وتحقيق الكتاب ليس على ما يرام، و قال : موضع الثريا الواردة في وصف الرحلة من الطائف إلى نجد يبدو أن الاسم دخله تحريف و أن المقصود تربا أي تربة فالوصف ينطبق عليها يدل على هذا أنه ذكرها بعد مطار التي ذكر أنها قلعة ، و مطار جنوب الطائف قرابة 24 كيلا و قال : أنها تبعد 12 فرسخا و لا يستبعد أن تكون 12 ميلا لا فرسخا ، و كلامه فيه تقديم و تأخير.
وسألته عن منهج الباحث البلداني عبد الخالق الجنبي، فقال : الجنبي له جلد على البحث، واطلاع على النصوص في المصادر ، لكن تحقيقاته في الغالب ليست دقيقة ، وقد أهدى لي عند الاجتماع به كتابه جرة يقصد جرها ، وتحقيقه لها ليس صائبا.

وعندما علم أنني من أهل تثليث ذكر لي أنه زارها و كتب تقريرا عن رحلته إلى جاش، وسلمه للدارة ، ويبدو ألا أحد يهتم بتلك التقارير و ذكر أنه قابل بعض أهلها، و سجل معهم ؛لكنه لم يجدد نسخ الأشرطة فتعرضت للتلف.

رحم الله الشيخ عبد الله الشايع، فلولا الإطالة لما اكتفيت بما قلت عنه ، و لكن عزاؤنا في كتبه التي خلفها فسننهل منها ، و ستستفيد منها الأجيال القادمة بإذن الله ، و الحمد لله على كل حال.

تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 186
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:01 صباحًا الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET