• ×

04:38 مساءً , الأحد 12 صفر 1440 / 21 أكتوبر 2018

حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


التاريخ 1439-11-04 08:49 مساءً
ذكريات عذبه
ولما لا كان جواب صديقي بدون كثيراً من التخطيط كنا نمضي قدماً في الطريق المؤدي إلي الإمارات العربية المتحدة عن طريق الغويفات أكملنا الطريق حتى وصلنا إلي أبو ظبي ومن أبو ظبي كنا نتجه إلي مدينة العين المحاذية للحدود ووصلنا عند المغيب .. قضينا ليلة هادئة حتى جاء الصباح وبعد الفطور توجهنا إلي عُمان عن طريق البريمي متجهين إلي العاصمة مسقط ..

الجبال تحاذينا طول الطريق مع بعض الهضاب ومن ضفاف الأودية تطل المنازل على مزارع النخيل في لوحة آسره لا تكاد تنقطع حتى تعود .. في ترابط وجودي بين البيوت والشجر ، لا يخلو بيتاً من شجرة خضراء مثمرة تسر الناظرين .. أينما يممت وجهك تقع عينك على نخلة باسقة ، أو حائط تفيض منه أشجار الموز ، أو تينة متهدلة أعياها حملها وفآت إلي الأرض .. كل أشجار هذه البلاد منها وفيها ..

على شاطىء القرم كانت الشمس عمودية لقربها من خط الإستواء ، والرطوبة خانقة ، والبحر ساكن والحياة مستمرة ، في مدينة مسقط ، الجودة في البُنى ، والإتقان الواضح على كل عمل تراه .. بدت لنا كفتاة ساحرة تحمل قلادة فاخرة تعلقها بزهوٍ من تاريخها القديم لتعبر بها الزمن ..

يقال أن " اللطف يراه الأعمى ، ويسمعه الأطرش " .. وهذا هو الوصف الأمثل لما تراه من اللطف العُماني ، البشاشة الصافية ، والكرم الفطري والأخلاق الراقية .. سمات تزيد الإنسان وضاءة وجمال ، وتجعل له منزلة عالية من التقدير والإحترام ..

عند العاشرة صباحاً كنا نجتاز مدينة نزوى متجهين إلي صلالة في طريق صحراوي سرمدي يمتد عبر مساحات شاسعة على مد البصر لا تنتهي يمنة ويسره ، يتخللها بعض أشجار الطلح والسلم من حين ألى آخر .. وقبل النهاية كنا نسير وسط عاصفة رملية شديدة مرهقة لكل المسافرين .. وعند إقترابنا من أول سلسلة جبال صلالة تلاشت هذه الأتربة ودخلنا في جوٍ سريالي مجنون ..

من إلي النقيض .. الصخور تكتسي بالخضرة والعشب والأشجار المتلسقة ، والرذاذ يحجب الرؤيا ، يسيل على كل شيء ، بهدوء وتوئدة كنا نسير نزولاً من أعلى قمة في منحدرٍ أخضر يفضي إلي سهولٍ واسعة تمتد إلي الشاطيء ، والمدينة تمتد أمامنا مرحبةً بالزائرين ..

كانت الغيوم تغطي السماء ، والنسائم العذبة تراقص أوراق العشب ، في جبل "أتين " .. في نهار مشمس جميل كان الجميع يسلم على الجميع ويمد جسور المحبة بلا مقدمات وبكل ترحاب ، لا تمل الحديث ، ولا يملون الأستماع ، كانت تلك الساعة في تلك الأجواء من أجمل اللحظات ألتي مرت خلال هذه الرحلة الشيقة .. ومهما كانت الطبيعة جميلة ، يضل الإنسان هو الأجمل ..

في أي مكان تجد الناس ، يفترشون العشب ، وينعمون بالجلوس في الهواء العليل الطلق ، ويحبذون الجلوس بمحاذاة الفلج القادم عن عين جرجيز أو العيون الأخرى في ظلال تلك الأشجار المعمرة ، أو على أحد السفوح المطلة ، وعند المنبع ، يجتمع الزوار لإلتقاط تلك الطبيعة المذهلة من الماء والخلجان والإخضرار ..

في طريق العودة كانت مدينة نزوى تستقبلنا عند الثانية ظهراً وبأخذ جولة عابرة في أرجاءها ومن بين تلك المزارع التي تجمل الشوارع رأينا لوحة تقود إلي الجبل الأخضر .. حينها قررنا أن نرى ماذا يكتنز هذا الجبل من جمال ..

عذراً أيها السادة فالجبال أمامكم وعرة يقوله شرطياً يقف بإهتمام .. الطريق صعبة بسيارتكم هذه لا يمكن الصعود فعودو حفاظاً عليكم وعلى سلامة السالكين .. وعندما هممنا بالعودة كان يقف رجل على الطريق وينادي أنا أستطيع أن أقلكم إلي أعلى الجبل ، وبالفعل تم الإتفاق وصعدنا معه ..

طريق حديث وعلى أرقى مستوى يمتد لثلاثين كيلو لنصل في قمته إلي مجموعة من القرى المعلقة في زوايا الجبال ، وكانت قرية "حيل اليمن " أقرب القرى ببيوتها المتراصة ، وبساتينها المليئة بالرمان والخوخ والتين ، وعند الناصية يقف مجموعة من الرجال يرحبون بالعابرين ليستقبلوك بحسن الوفادة معطرةً بالتراحيب وتعبيراً بفرحتهم بمقدمك يعاجلوك بمنسف الرطب وفناجين القهوة العابقة برائحة البن .. وتلك الأحاديث الرصينة عن تجارب الحياة وفي ثنايا حديث كبيرهم الوقور قال كنت أعمل في الظهران وبقيق ومن الذين عملوا في سكة القطار طيلة ست سنوات من عمري قضيتها في تلك الديار وبدا يحدثنا بذاكرة متقدة عن تلك الأيام .. كان مجلساً نموذجياً لم نعد نراه ، جيل يأتي ، ويذهب جيل ..

عدنا إلي سيارتنا ومضينا في طريق العودة محملين بذاكرة مليئة بالعذوبة والشكر لهذه الأرض الطيبة ، ولهذا الشعب الكريم مع دعوة صادقة أن يديم على عُمان دوام التقدم والإزدهار إنه على كل شيء قدير ..

تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 177
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:38 مساءً الأحد 12 صفر 1440 / 21 أكتوبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET