• ×

02:53 مساءً , الأربعاء 9 محرم 1440 / 19 سبتمبر 2018

حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


التاريخ 1439-10-12 09:15 صباحًا
المراكز الثقافية السعودية إطلالة على المشروع الثقافي الوطني
انتشرت في الآونة الأخيرة دعاوي من بعض المثقفين والمعنيين بحال الثقافة بالتوسع في إنشاء مراكز ثقافية في جميع مناطق المملكة، بل وطالب بها عدد من المسئولين وعلى رأسهم وزير الثقافة والإعلام الأسبق، ولعلها نشأت لإيجاد دور وسط بين المؤسسات العاملة في المجال الثقافي كالنوادي الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون والتي توجه أنشطتها لنخبة معينة من المثقفين، وبين عامة الشعب لتواكب الدور المرسوم للثقافة لتشمل كافة المراحل العمرية والشرائح الاجتماعية المختلفة وللمستويات الثقافية المختلفة.

من هنا جاءت فكرة إنشاء المراكز الثقافية لتشكل رافداً من روافد الوعي الاجتماعي، وتعمل على تغطية الاحتياجات الثقافية لكل المراحل العمرية، ويجد فيها المثقف والفرد العادي ما يشبع اهتماماته المعرفية ، ويصقل مواهبه وينميها، وتحدث حراكاً ثقافياً هاماً في المجتمع لتمثل رئة حضارية يتنفس من خلالها ويقاوم بها دعاوي التطرف بكافه أشكاله وصوره.

لاشك أن هناك إجماعاً من المتابعين والمعنيين بحال الثقافة السعودية على الحاجة إلى كيانات تشمل كافة الأنشطة الثقافية المختلفة، وأن المؤسسات الموجودة على الساحة حالياً لابد من تفعيل دورها، حيث رأى البعض منهم ضرورة دمج هذه المؤسسات في مكان واحد لتعظيم الفائدة منها وعدم الازدواجية، والبعض الأخر رأى التوسع في إنشاء مراكز ثقافية شاملة لكافة الأنشطة المختلفة لتشمل كافة الشرائح المجتمعية في المدن الصغيرة قبل الكبيرة وللمستويات العمرية المختلفة،بمعني أن تكون هذه المراكز الثقافية ذات طابع شمولي لكافة المناشط ؛ في العلوم والآداب والفنون المختلفة، ولاتقتصر على جانب معين بحيث تكون حاضنة للأجيال الشابة، وملازمة للأجيال القديمة، مما له أكبر الأثر في إحداث حراكاً ثقافياً وتنافسياً مع المؤسسات الثقافية الأخرى، يتحول فيها العمل الثقافي إلى مشروع استراتيجي ومكتسب حضاري؛ يعمل على تأصيل ماتحظى به المملكة من عمق ثقافي وثقل عربي وإسلامي في ظل التغييرات التي يشهدها العالم الآن، والانفتاح في كافة المجالات وبخاصة في هذه المرحلة التي تعيشها البلاد .

وأتصور أن مهمة هذه المراكز ينبغي أن تكون توسيع أرضية الحوار والتلاقي بين مختلف طاقات الوطن الثقافية والفكرية وملء هذا الفراغ الثقافي الذي منح الفرصة للكثير من أصحاب الاجتهادات الخاطئة من الظهور والتمكين ؛ بل والسيطرة والتأثير على العقول عبر وسائل الإعلام وغيرها ، كما أتصور أن تكون هذه المراكز مكاناً يجتمع فيه الأدباء والمفكرون والمثقفون والشعراء والمختصون في كافة المجالات مع عامة الشعب بدون استثناء؛ يجد فيه الشخص العادي مكاناً آمناً لتوجيهه ونصحه وتقويمه ويرى فيه المفاهيم الصحيحة من خلال الإجابة على كل استفساراته وأسئلته بدون حيرة وخوف، بالإضافة إلى ملء الفراغ الثقافي ينبغي أن تعمل هذه المراكز الثقافية على سد أوقات الفراغ الاجتماعي الذي يقضى من قبل الكثيرين من الشباب على وسائل الإعلام الفضائية أو الانترنت وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي والتي تحمل سيولاً جارفة من التيارات الفكرية الشاذة والمنحرفة عقائدياً ودينياً واجتماعياً.

وبالتالي فإن دور المراكز الثقافية بهذا المنظور الذي يحتوي طاقات العقول ويحاورها سيكون من وجهة نظري أهم من دور المؤسسات والشركات والمصانع في التنمية ؛ ذلك لأن هذه الشركات والمصانع تنتج وتصنع سلعاً مادية ملموسة وهامة أيضاً لكن المراكز الثقافية تنتج فكراً يقوم بصيانة وصياغة هذه التخصصات التي تنتج السلع، فهي بالتالي تنظم سلوك الإنسان ليصبح منتجاً في كافة المجالات .

لذا من الضروري بمكان أن تكون هناك خطط إستراتيجية لهذه المراكز من خلال برامج محددة وتصور مستقبلي لأدائها وأقسامها وفق عمل مؤسسي ولوائح مشجعة تتضافر فيه كل الأنشطة الرسمية والأهلية لوضع الثقافة على قائمة الأولويات في خطط التنمية الشاملة وجعلها مكتسب حضاري ورافد من روافد الوعي الاجتماعي وشريك أساسي في تطور وازدهار الحياة المدنية بكافة أشكالها وصورها.

من خلال هذه الرؤية ستصبح المراكز الثقافية نقاط تجمع واحتواء لجميع أفراد الأسرة في المجتمع للإفادة من نشاطاتها وبرامجها، يجد فيها المثقف والفرد العادي ما يشبع اهتماماته المختلفة، ومكاناً للاطلاع وتنمية المواهب وصقلها وإتاحة المجال لكل الفنون التعبيرية والتشكيلية ، ومكتبة متميزة تتيح القراءة والعلم؛ صالات للعروض السينمائية والثقافية وللفنون التشكيلية و التصوير الفوتوغرافي والعروض الأثرية وغيرها ؛ قاعات لعقد الندوات والمحاضرات والانترنت ؛بالإضافة إلى قاعات للتدريب تعقد فيها دورات تدريبية في الرسم والموسيقى وتعلم اللغات والخط العربي والحاسب الآلي وتعليم الكبار وغيرها من الأنشطة المجتمعية

تعد المكتبات أحد أهم الركائز الأساسية التي يعول عليها للقيام بالدور المأمول للمراكز الثقافية الجديدة ، وخاصة في ظل ما يسمى بعصر المعلومات ، وما يصاحبه من تنوع لمصادر هذه المعلومات وتضخم حجم إنتاجها وصعوبة السيطرة عليها، وأضحت فيه المكتبة مكاناً غير تقليدياً مطالباً بأن يلبي احتياجات المستفيدين على اختلاف مستوياتهم بدءاً من الطفل الصغير الذي أصبح الآن يتعامل مع أحدث التقنيات العالمية بسهولة واضحة ويحاول الوصول والتعامل مع فيض هائل من المعرفة، وصولاً الى الباحث الذي يتوقع من المكتبة تلبية احتياجاته في التعامل مع قواعد البيانات العالمية بأقل جهد ممكن وأسرع وقت، بالإضافة إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للقارئ العادي.

من هنا كانت أهمية هذه المراكز الثقافية وما يمكن أن تلعبه من دور خلال المرحلة المقبلة والتي أرى قبل إنشائها ضرورة أن تسبقها دراسات علمية مستفيضة وورش عمل؛ بل ونقاش مجتمعي ورسمي يحدد الرؤية والأهداف حتى لا تكون تكراراً لمؤسسات أخرى غير فاعلة، وأن تصبح بحق المشروع الوطني القادم للمملكة.

تعليقات 1 إهداءات 0 زيارات 512
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • 1439-10-20 05:15 مساءً غازي خيران الملحم :
    موضوع جميل وهادف بقصد به النهوض بالمسالة الثقافية في منطقة الجوف الى اسمى معانيها وأرفع درجاتها. .فالشكر كله للأستاذ مرسي طاهر على هذا الطرح الجميل والمعبر..والشكر موصول لصحيفة نبص الشمال والأساتذة القائمين على تحريرها.

القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:53 مساءً الأربعاء 9 محرم 1440 / 19 سبتمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET